عماد الدين خليل

106

المستشرقون والسيرة النبوية

فيؤجّل نهيه عن الربا ، أحد أعمدة النشاط المالي المكيّ ، إلى وقت طويل بعد الهجرة ، ويكتفي بنقد موقفهم الشخصي من الثروة . . « لقد كان زعماء مكة من بعد النظر بحيث أقرّوا بالتناقض بين تعاليم القرآن الأخلاقية ورأس المال التجاري الذي كان عماد حياتهم ، ولهذا لم يظهر النهي عن الربا حتى وقت طويل بعد الهجرة ، بينما ظهر منذ البداية نقد لموقفهم الشخصي من الثروة » « 1 » . ويصعب على المرء التصديق بأن مستشرقا متعمّقا كوات لا يدرك الفارق بين العقيدة والشريعة في الإسلام ، وأن المرحلة المكّية تختلف عن المرحلة المدنيّة في أن حركة الإسلام في الأولى كانت منصبّة على البناء العقيدي ، بينما انصبّت في المرحلة التالية على البناء التشريعي بسبب قيام دولة الإسلام وما تتطلبه من نظم ومعطيات تشريعيّة ، مع استمرار البناء العقيدي بطبيعة الحال . . فالذي حدث ليس تحوّلا في بنية الإسلام نفسه ، بل في تنظيم الأولويات بعد إنجاز مرحلة بناء الجماعة الإسلامية وقيام دولة الإسلام في المدينة ومع ذلك فنحن نقرأ في كتاب ( وات ) هذه العبارة : « نستطيع القول بأن الإسلام قد تحول في خطوطه الكبرى عند الهجرة ، ولكن معظم مؤسساته كان لا يزال في مرحلة بدائية ، فلم يتم بعد ، تحديد الصلوات ولا العبادة ، وإن كانت قد وضعت الأسس لذلك . . ولم تظهر ظهورا كاملا أركان الإسلام الآخرى : الصيام ، الزكاة ، الشهادة ، والحج ، ومع ذلك كانت كل الأفكار الرئيسية : اللّه ، اليوم الآخر ، الجنة والنار ، وإرسال الأنبياء ، واضحة تماما » « 2 » . وفرق واضح بين أن نقول بأن معظم مؤسسات الإسلام كانت في طور الولادة أو التشكيل ، وبين أن نقول : إنها كانت في مرحلة بدائية ! !

--> ( 1 ) المصدر السابق نفسه ، ص 215 . ( 2 ) المصدر السابق نفسه ، ص 238 - 239 .